العودة إلى جنوبنا

الشجرة السرية

بقلم لينا ش.·لبنةصفوف·٦ آذار ٢٠٢٦
شجرة سنديانة في جنوب لبنان

أردتُ أن تكون أولى قصصي عن مقطعٍ إيجابي من حياتي قضيتُه في الجنوب، وأنا أحمله في القلب قبل أن أحمله على الورق.

لا أزال أذكر أيام طفولتي في قرية تول، قضاء النبطية. عشتُ فيها من سابعة عمري حتى الثالثة عشرة. لم تكن تول جميلةً على الدوام، غير أن عطلة الصيف كانت استثناءً مضيئاً في كل مرة. عائلتي من خمسة أفراد سواي، أما عائلة أمي فكانت كبيرة، تضمّ آنذاك سبعةً وعشرين نفساً، ثم زاد العدد حين تزوّج خالي للمرة الثانية.

في صيف عام ٢٠٠٧، في منزل تيتا المتوارَى في أحضان وادي الدوير، كنّا نلعب، أنا وأولاد خالتي، قرابة كل يوم. بينما كان الأهل يُعيدون رأب صدوع الحياة في أعقاب حرب ٢٠٠٦، كنّا نحن نمرح ونلهو كأن الدنيا لنا وحدنا.

كنتُ محظوظة؛ خمسة أطفال من عمري، والوادي خالٍ من المقيمين. كانت تيتا تضجر من أصواتنا العالية، لكنّنا لم نكن نلتفت، إذ كانت لنا مهمة لا تحتمل التأجيل. نستيقظ باكراً، نحتسي الشاي مع لقمة اللبنة، ثم نركض نحو نهاية الوادي. ننظر يميناً ثم يساراً. لا أحد. فنواصل مهمتنا: تسلّق الجبل "الكبير"، هكذا أسميناه نحن. لم يكن التسلق سهلاً ولا قصيراً، لكنّنا كنّا قد رسمنا خريطة، وخبّأنا طعاماً في أماكن سرية على امتداد الطريق. والهدف كان واحداً لا يتبدّل: الوصول إلى الشجرة السرية.

كانت الطريق طويلة، تتخلّلها الأشواك وتعترضها السلاحف الصغيرة، وعلى جانبيها نبتات الحميض تُرافق خطانا. في منتصف الظهيرة، كنّا نصل. تلك الشجرة. سنديانة ضخمة شامخة، لم تطأها أقدام كثيرة ولم تلوّثها أيدٍ غريبة. ربما كانت في عيون غيرنا شجرةً عادية، لكنّها كانت لنا بيتاً ومِلعباً وظلاً من شمس الجنوب الحارقة. لم تكن اكتشافنا وحدنا، بل إرثٌ عائلي تناقله جيلٌ عن جيل.

تحت تلك الشجرة، لعبنا البيت والغميضة، وبكينا وتشاجرنا وتصالحنا وضحكنا وتحدّثنا بما لا يُقال في مكان آخر. كانت الشجرة السرية، عبر كل تلك السنين، حارسةً صامتة لأسرار طفولتنا وراعيةً لذكرياتنا. وحين يميل النهار نحو الغروب، كان يصلنا عبر الوادي صوت زوجة خالي يناديننا: حان وقت الشاي والصفوف.

كانت أياماً جميلة. آخر مرة زرتُ فيها الشجرة السرية كانت منذ ثماني سنوات. لم تعد سريةً؛ أحاطت بها البيوت من كل جانب، وصارت مجرد شجرة في حيٍّ جديد، ربما تُقطع يوماً ما. لكنّها ستظل راسخةً في ذاكرتي، جزءاً لا يُنتزع من طفولتي في الجنوب.